أحمد بن علي القلقشندي
74
صبح الأعشى في صناعة الإنشا
نحمده على أن خصّ مصاقع ( 1 ) الخطباء من فضل اللَّسن بالباع المديد ، وقصر الجامع الأمويّ على أبلغ خطيب يشيب في تطلَّب مثله الوليد ، وأفرد فريد الدّهر باعتبار الاستحقاق برقيّ درج منبره السّعيد ، ونشهد أن لا إله إلَّا اللَّه وحده لا شريك له شهادة تخفق على مواكب الصّفوف أعلامها ، وتتوفّر من تذكير آلاء اللَّه تعالى أقسامها ، ولا تقصّر عن تبليغ المواعظ حبّات القلوب أفهامها ، ونشهد أنّ سيدنا محمدا عبده ورسوله أفضل نبيّ نبه القلوب الغافلة من سناتها ، وأيقظ الخواطر النّائمة من سباتها ، وأحيا رميم الأفئدة بقوارع المواعظ بعد مماتها ، صلَّى اللَّه عليه وعلى آله وصحبه الذين علا مقامهم ، ففاتت أعقابهم الرّؤوس ، ورفعت في المجامع رتبهم ، فكانت منزلتهم منزلة الرّئيس من المرؤوس ، صلاة لا تزال الأرض لها مسجدا ، ولا يبرح مفترق المنابر باختراق الآفاق لاجتماعها موردا . وبعد ، فإنّ أولى ما صرفت العناية إليه ، ووقع الاقتصار من أهمّ المهمّات عليه - أمر المساجد الَّتي أقيم بها للدّين الحنيف رسمه ، وبيوت العبادات الَّتي أمر اللَّه تعالى أن ترفع ويذكر فيها اسمه ؛ لا سيّما الجوامع الَّتي هي منها بمنزلة الملوك من الرّعيّة ، وأماثل الأعيان من بين سائر البريّة ؛ ومن أعظمها خطرا ، وأبينها في المحاسن أثرا ، وأسيرها في الآفاق النّائية خبرا ، بعد المساجد الثلاثة التي تشدّ الرّحال إليها ، ويعوّل في قصد الزيارة عليها - جامع دمشق الَّذي رست في الفخر قواعده ، وقامت على ممرّ الأيام شواهده ، وقاوم الجمّ الغفير من الجوامع واحده ، ولم تزل الملوك تصرف العناية إلى إقامة شعائر وظائفه ، وتقتصر من أهل كلّ فنّ على رئيس ذلك الفنّ وعارفه ؛ فما شغرت به وظيفة إلا اختاروا لها الأعلى والأرفع ، ولا وقع التّردّد فيها بين اثنين إلَّا تقيّلوا ( 2 ) منهما الأعلم والأروع ؛ خصوصا وظيفة الخطابة الَّتي كان النّبيّ صلَّى اللَّه عليه وسلَّم للقيام بها
--> ( 1 ) المصقع : البليغ المتفنن في مذاهب القول . ( 2 ) تقيّل من كان قبله : نزع إليه في الشّبه والعمل .